المبشر بن فاتك

73

مختار الحكم ومحاسن الكلم

منفق ولا تصدّق متصدّق أفضل « 1 » من كلام الحكمة إذا تكلم به الحكيم والعالم ! فلكلّ مستمع منه منفعة . وقوله « 2 » عليه السلام : نعم الهديّة ونعمت العطيّة الكلمة من كلام الحكمة يسمعها الرجل المؤمن ، ثم ينطوى عليها حتى يهديها لأخيه المؤمن . وقال عليه السلام : الحكمة ضالّة المؤمن يأخذها حيث وجدها ، ولا يبالي من أىّ وعاء خرجت « 3 » . - وكنت قد قرأت [ 2 ا ] كتبا فيها أشياء من آداب الحكماء اليونانيين ومواعظ العلماء المتقدمين . فرأيت فيها وصايا أعجبتنى ، ومواعظ التاطت بقلبي ، وآدابا استحسنتها نفسي ؛ يكثر انتفاع المتدبّر لها ، وتعظم فائدة العامل بها . فيها جذب إلى فعل الخير ، وتنبيه على حسن السياسة ، وترغيب في التزوّد إلى الآخرة . فحدانى ذلك على أن جمعت منها في كتابي هذا ما رأيته نافعا : من موعظة لهم حسنة ، ووصيّة بالغة ، ونادرة عجيبة ، مما فيه رياضة لنفس القارئ له ، وتهذيب لأخلاقه ، وتحريض له على الأفعال المرضيّة والسجايا الحميدة ، وتزهيد في الدنيا الفانية ، وتسلية عن المصائب العارضة ، وترغيب فيما عند اللّه سبحانه . فقد روى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « العلم كثير فخذوا من كل شئ أحسنه » . وقال بعض الحكماء : إن لكل شئ خاصّية وخاصيّة العقل حسن الاختيار .

--> ( 1 ) ش : بأفضل . ( 2 ) أورد البيهقي في « شعب الإيمان » وأبو نعيم في « حلية الأولياء » عن ابن عمرو بن العاص حديثا قريبا منه في المعنى هو : « ما أهدى المرء المسلم لأخيه هدية أفضل من كلمة حكمة يزيده اللّه بها هدى أو يرد بها عن الردى » ( راجع « السراج المنير شرح الجامع الصغير » 3 / 230 ) . ( 3 ) أخرجه الترمذي في آخر العلم من جامعه ، عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ الكلمة : « الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها » . - وروى الديلمي عن علي مرفوعا : ضالة المؤمن العلم : كلما قيد حديثا طلب إليه آخر - قال الترمذي : إنه غريب ( راجع : « تمييز الطيب من الخبيث فيما يدور على ألسنة الناس من الحديث » لابن الربيع الشيباني ص 68 ، القاهرة 1347 ه ) .